نظرية الأنواع الأدبية والتداخل النوعي.. التداخلات النصية وعلاقة الشعري بالسردي دون الإخلال بوظيفة النوع ومعيارية الإقناع والإمتاع

إن نظرية الأنواع الأدبية في محورها الثاني (التداخل النوعي) وسعيها إلى خلخلة المفاهيم الثابتة وجعل النص يتمرد على التجنيس ويتحول إلى قيم جمالية مميزة تمارس عملية التموضع داخل الجنس/ النوع لم تعد هي الأخرى ذات مصداقية كافية لقبول طروحاتها المبالغ فيها على الرغم من تصورنا إننا لم نعد بحاجة إلى امتلاك القيم التي احتكم إليها الأدب الكلاسيكي بسبب التطورات الاجتماعية والثقافية والسياسية وأن الإنسان تحول في محيطه من ذات فاعلة تمارس دورها بشكل ايجابي إلى ذات منكفئة سلبية ومهمشة، فإن الأنواع بوصفها (أوامر دستورية) تساعد الكاتب في إنتاج نص ما مع مراعاة تحول الصرامة إن وجدت إلى مرونة تسهم في ابتكارها ضرورات اجتماعية ورغبات فردية تعملان على الاستجابة للتجديد الأدبي المتمثل في التبدل والتغير لا الثبات والاستقرار وطبقا لهذا فان المعايير والخصائص البنائية التي تميز أي نص من نص آخر هي قلقة أيضا ودرجة ثباتها واستقرارها تعتمد على الثبات الاجتماعي الذي يعمل بدوره على ثبات التقاليد الخاصة بالنوع.

وهذا ما دعا ادوارد الخراط وحفزه لأن يطلق على كتاباته التي أسست لنفسها تصوراتها النصية من دون الإخلال بوظيفة النوع ومعيارية الإقناع والإمتاع التي ظلت تلازم الأعمال الإبداعية الجديدة بـ (الكتابة عبر النوعية)، أو (الكتابة الجديدة)، أو (الحساسية الجديدة) التي (تملي أسسها وقوانينها تعويضا عن المعمار الفخم من خلال توليف اللغة وتوليد الصورة وخلق التوتر وصنع الدهشة وابتكار المفارقة واستثمار مساحات الانزياح والمخيلة).

وإذا أساء بعضهم  إلى هذه الكتابات بحجة الإخلال بالقوانين النوعية وهدم النمطية لتشويه الفعل الكتابي الجاد والمتميز، فإن التداخل الكثيف في التحولات السردية والشعرية والفنية أيضا سيظل ابتكارا إيجابيا بيد المبدعين ليجترح كل نص قوانينه لحظة ولادته، وذلك باستثمار التداخل لإبداع نصوص فـ(كل نص هو في الواقع فعل تواصلي.

ولكل نص بنية يمكننا الاعتماد عليها من أجل تعميم قواعد مناسبة.
وكل نص يوجد ضمن علاقة مع النصوص الأخرى.

فهو يمتلك، إذن، بعداً نصياً جمعياً، وأخيراً كل نص يشبه نصوصاً أخرى، هذا لا يعني أن كل المستويات مناسبة أيضاً لكل النصوص.
إبداع نص يفترض خيارات مسبقة، لا يوجد نص عارٍ تماماً، ولا توجد درجة الصفر في الكتابة، مثلاً كتابة سونيتة يعني تفضيل نظام المبادئ الناظمة.

هذا بدوره لا يعني أنه يمكن مقاربة نص وفق الوجود النوعي الذي يفضله المؤلف.

في الواقع، القرار بمقاربة نص بالاعتماد على هذا النظام النوعي أكثر من غيره يعتمد أيضاً على مصالحنا المعرفية ستتركز دراسة الأدب ضمن زاوية الغائية الواقعية خاصة، على دراسة الصفات التواصلية، أي دراسة مؤسساتية للأدب ستدرسه عبر انزياح المبادئ الناظمة، وستجني دراسة طرق الإبداع الأدبي، دون شك، فائدة كبيرة من تحليل التجنيس النصي ـ الجمعي.

أخيراً، ستتعاطف روح فضولية للطبيعة الإنسانية مع علاقات التقارب غير النَسَبية التي يمكن أن توجد بين مختلف الأعمال الأدبية.
وإذا كانت هذه الكتابات تؤسس اشتغالاتها على محو الفوارق النوعية والسعي إلى الفرادة وامتلاك الاحتمالات في تحليل إنموذجها فان هذا لا يعني إنها تباغت القارئ بشك سلبي يؤدي إلى نفوره منها بشكل يفقده الثقة ويصدمه وربما يمنحه الحنين إلى النمطية من جديد فينزع إلى النقاء النوعي والمنهجية الصارمة مما ينتج وضع الحدود والفواصل بين الأنواع.

وهذا عمل شاق في عصر اتخذ سمة (التداخل في كل شيء)، فحينما تطرح النظرية الأدبية أسئلة تداخل الأنواع فان هذا يشكل وعيا بإشكالية الأنواع واستعمالاتها الفارقة من جهة وتداخلاتها النصية وبالأخص علاقة الشعري بالسردي من جهة ثانية.
أحدث أقدم

نموذج الاتصال