تعدد تعريفات التصوف.. حُدّ التصوف ورُسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين مرجعها كله لصدق التوجه إلى الله تعالى

ماهية الشيء حقيقته، وحقيقته ما دلت عليه جملته. وتعريف ذلك
بحد: وهو أجمع،
أو رسم: وهو أوضح،
أو تفسير وهو أتمّ لبيانه وسرعة فهمه.
وقد حُدّ التصوف ورُسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين. مرجعها كله لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنّما هي وجوه فيه، والله أعلم.

تعريف علم التصوف:

تعددت الأقوال وكثرت في تعريف التصوف، ولكن جميع هذه الأقوال تنصب في مفهومٍ واحدٍ، وتخرج من مشكاةٍ واحدةٍ، وتعدد الأقوال في هذا العلم يثبت حقيقته الراقية، ويتبين من خلالها أنه علم جليل القدر، ولو لم يكن كذلك لما تفنن العلماء في تعريفه، فهو أكثر العلوم في معانيه، إذ كل الأقوال تستخرج اشتقاقاتها من أوصافٍ حسنةٍ، وهذا ينطبق على المعنى اللغوي أو الاصطلاحي أو العرفي، لأن جميع من تناول التصوف بالتعريف ذكروا له أوصاف جليلة وراقية، مما يدل على علو شأن هذا العلم ورفعته، واختلافهم في وصفه جاء من اختلاف الرؤى لهذا العلم العظيم فكل من وصفة وصف جهة معرفته به وتذوقه له، كما لو اجتمع قوم حول جبل شاهق وعظيم، وأرادوا وصفه، فكل واحدٍ منهم سيصفه من جهته التي يرى ويلمس ويدرك، وقد تختلف الأوصاف بشكلٍ ما، ولكنها جميعاً تؤكد وصفاً لشيءٍ هائلٍ وكبيرٍ.

وقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء تعريفاً للتصوف في كل ترجمة من تراجم كتابه تقريباً، وفي كتابه أكثر من ألفي ترجمة، ويقول الشيخ السهروردي رحمه الله تعالى: أقوال المشايخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول.

ويقول الشيخ أحمد زروق في قواعده: وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين مرجع كلها صدق التوجه إلى الله وإنما هي وجوه فيه.

فلو أردنا سرد تعاريف علم التصوف لاحتجنا لكتاب كامل، ولكن اكتفينا بذكر أهم التعريفات لهذا العلم ومن خلالها سيتجلى لنا معنى التصوف واليك هذه التعريفات:

قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (التصوف: هو تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه، أي تخليص القلب لله تعالى، واعتقاد ما سواه اعتقاداً لا يضر ولا ينفع، فلا يعوِّل إلا على الله، فالمراد باحتقار ما سواه اعتقاد انه لا يضر ولا ينفع، وليس المراد الازدراء والتنقيص).

وقال سيدي العارف الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: (التصوف: الصدق مع الحق، وحسن الخلق مع الخلق).

وقال الشيخ أحمد بن زروق رحمه الله تعالى: (التصوف علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه، والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام والأصول وعلم التوحيد لتحقيق المقدمات بالبراهين، وتحلية الإيمان بالإيقان، كالطب لحفظ الأبدان، وكالنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك).

وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري رحمه الله تعالى: (التصوف علم يعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن، لنيل السعادة الأبدية).

وقال سيد الطائفتين الأمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى: (التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني).
و ورد عنه: (التصوف: عنوة لا صلح فيها).
و ورد عنه: (التصوف: أن تكون مع الله بلا علاقة).
و ورد عنه: (التصوف: هو أن يميتك الله عنك ويحييك به).
و ورد عنه: (التصوف: ذكرٌ مع اجتماع، ووجدٌ مع استماع، وعملٌ مع إتباع).

وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: (التصوف: تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية).

وقال الإمام الأكبر الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (التصوف: هو الوقف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً.
وقال: (التصوف: خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف).

وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل وأوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة).

وقال سمنون رحمه الله تعالى: (التصوف أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء).
وقال الشيخ معروف الكرخي رحمه الله تعالى: (التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق).

وقال الإمام الكتاني رحمه الله تعالى: (التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف).
وقال الإمام الشبلي رحمه الله تعالى: (التصوف الجلوس مع الله بلا هم).

وقال عمرو بن عثمان المكي رحمه الله تعالى: (التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت).
وقال أبو عمر بن الجنيد رحمه الله تعالى: (التصوف الصبر تحت الأمر والنهي).

وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: (التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وان يكون دائما مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو).

وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى في تعريف التصوف: (لعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل علية الجمهور من لذة ومال وجاه  والانفراد عن الخلق  في الخلوة للعبادة).

وقالوا في تعريفات الصوفي والمتصوف:

يقول سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: الصوفي: فهو في الأصل صوفي على وزن فوعل، مأخوذة من المصافاة، يعني عبد صافاه الحق عز وجل، ولهذا قيل: الصوفي من كان صافياً من آفات النفس، خالياً من مذموماتها، سالكاً لحميد مذاهبه، ملازماً للحقائق، غير ساكن بقلبه إلى أحدٍ من الخلائق.

وقال الأمام أبو علي الروذباري رحمه الله تعالى: الصوفي: هو من لبس الصوف على الصفاء وأطعمه الهوى ذوق الجفاء وكانت الدنيا منه على القفا وسلك منهاج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال الإمام سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: الصوفي: من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر.

وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: الصوفي: من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب. وقال بشر الحافي : الصوفي: من صفا الله قلبه.

وبعد أن بينا كل هذه التعريفات للتصوف يتجلي بوضوح أنه علم جليل عظيم القدر وكله نابع من مشكاة النبوة وتعاليمها، فهو تارة يأتي بمعنى الزهد، وتارة بمعنى الأخلاق، وتارة بمعنى الصفاء، وتارة بمعنى المجاهدة، وتارة بمعنى الاستقامة والالتزام بالشريعة، وتارة بمعنى التسليم، وتارة بمعنى الإخلاص، وتارة بمعنى ترك التكلف، وكل هذه تتجلى بمعنى واحد وتدور حول مراد واحد وهو تزكية النفس وجعلها كما يريد المولى عز وجل أن تكون، وهذا هو التصوف الصحيح وعلى هذا يجب أن يبنى ويكون.
أحدث أقدم

نموذج الاتصال